وكالة أنباء الحوزة - من القضايا الجدلية في مباحث المهدوية، حكم القيامات والحكومات التي تقوم في عصر الغيبة وقبل القيام العالمي للإمام المهدي (عجل الله فرجه). يرى البعض، مستندين إلى بعض الروايات، أن أي حركة ضد الحكام الظالمين قبل ظهور الإمام (عجل الله فرجه) ممنوعة، وبالتالي يعارضون أي دعوة للعدل ويصفونها بالطاغوت!
وفيما يلي، نستعرض بإيجاز الروايات المتعلقة بالقيامات قبل الظهور:
أولاً: طاغوتية أصحاب الرايات في القيامات السابقة للظهور
توجد روايات تحكم بشكل عام على أي حركة أو راية تُرفع قبل قيام الإمام الحجة (عجل الله فرجه) بالبطلان، وتصف صاحبها بالطاغوت أو المشرك. نذكر منها:
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». (الكافي، ج8، ص295)
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ رَايَةِ الْقَائِمِ صَاحِبُهَا طَاغُوتٌ». (الغيبة للنعماني، ص114)
وبغض النظر عن الإشكالات السندية التي قد ترد على هذه الروايات، فقد ناقشها أحد الباحثين قائلاً: إن الدعوة على نوعين:
1- دعوة الحق: وهي دعوة الناس لإقامة الحق وإرجاع زمام الأمور إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه الدعوة مؤيَّدة من قبل الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
2- دعوة الباطل: وهي دعوة الناس لطرح الذات. والمقصود بـ «كلُّ راية» في الروايات هو هذا النوع الثاني، أي الدعوة التي تكون في مقابل دعوة أهل البيت (عليهم السلام) لا في مسارها. وبالتالي، فإن القيامات التي تقوم على أساس الدفاع عن حرمة أهل البيت (عليهم السلام) والدعوة إليهم، تخرج من دائرة هذه الروايات.
وقد يقال: إن ظاهر هذه الأحاديث يبطل كل القيامات السابقة لقيام القائم (عجل الله فرجه)، بغض النظر عن كونها دعوة حق أم باطل، وأن ملاك البطلان هو سبقها لقيام الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
وفي الرد على ذلك يقال:
أولاً: من المحتمل قوياً أن تكون هذه الروايات ناظرة إلى بعض القيامات في ذلك الزمان، وهي من قبيل "القضية الخارجية" لا الحقيقية، وليست ناظرة إلى كل القيامات، وملاك الحق والباطل هو الدعوة إلى الصراط المستقيم.
ثانياً: وردت روايات كثيرة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تؤيد بعض القيامات التي حدثت أو ستحدث في العصور اللاحقة قبل ظهور الإمام (عجل الله فرجه)، وتحث الناس على الانضمام إليها، مثل "راية اليماني". (راجع: كتاب "تا ظهور" بالفارسية للآية الله نجم الدين الطبسي، ج1، ص78)
ويقول الإمام الخميني (رحمه الله) في ردّه على من يتمسكون بهذه الروايات للتبرير: «إن هذه الأحاديث لا علاقة لها بتشكيل الحكومة الإلهية العادلة التي يراها كل عاقل ضرورية؛ بل في الرواية الأولى[*] احتمالان: الأول: أنها تتعلق بأخبار ظهور ولي العصر (عجل الله فرجه)، وتكون من علامات الظهور، وتريد القول إن الأعلام التي ترفع باسم الإمامة قبل قيام القائم (عجل الله فرجه) باطلة. والثاني: أنها من قبيل الإخبار عن الحكومات التي ستتشكل في العالم حتى زمان الظهور، والتي لا تقوم بواجبها، وهذا ما كان عليه الحال حتى الآن...» (كشف الأسرار بالفارسية، ص225)
ويقول في موضع آخر: «تلك الروايات تشير إلى أن من يرفع راية باسم المهدوية قبل قيام المهدي (عجل الله فرجه)، فهي باطلة». (صحيفة الإمام بالفارسية، ج21، ص14)
ثانياً: فشل القيامات السابقة للظهور
توجد روايات تشير إلى فشل القيامات السابقة لقيام الإمام المهدي (عليه السلام)، وزعم البعض أن هذه الروايات تدل على عدم مشروعية السعي لتشكيل حكومة إسلامية، لأن القيام الذي لا ثمرة له يكون مذموماً عقلاً وعقلائياً. ومن هذه الروايات:
قال الإمام السجاد (عليه السلام): «وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنَّا قَبْلَ خُرُوجِ الْقَائِمِ (عليه السلام) إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ مَثَلَ فَرْخٍ طَارَ مِنْ وَكْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَنَاحَاهُ، فَأَخَذَهُ الصِّبْيَانُ فَعَبَثُوا بِهِ». (الكافي، ج8، ص264)
واستخلص البعض من هذه الرواية أن القيام لتشكيل حكومة إسلامية ليس فقط بلا نتيجة، بل يجلب المتاعب لأهل البيت (عليهم السلام). لذلك يجب التخلي عن فكرة تشكيل حكومة إسلامية قبل قيام الإمام المهدي (عجل الله فرجه)!
وبغض النظر عن الإشكالات السندية، فإن الاستدلال بهذه الرواية ونحوها باطل من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الرواية ليست في صدد نفي أصل جواز القيام، بل هي تنفي النصر والظفر. ولو قلنا إنها تنفي الجواز، فإنها بذلك تحكم على قيام الإمام الحسين (عليه السلام) ضد يزيد، وقيام زيد بن علي، وحسين بن علي (شهيد فخ) وغيرهم بالبطلان! مع أنه لا شك في أن هذه القيامات كانت مؤيدة من قبل الأئمة (عليهم السلام). فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن قيام زيد الشهيد: «وَلَا تَقُولُوا خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعٍ لِيَنْقُضَهُ». (الكافي، ج8، ص264)
الوجه الثاني: أن عدم النصر في قيام ليس دليلاً على نفي التكليف به. فعلى سبيل المثال، في معركة صفين، شاع خبر موت معاوية مما أفرح الناس، لكن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يُقْتَلُ حَتَّى تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ». فسُئل: إذاً لماذا تقاتله؟ فأجاب: «أَلْتَمِسُ الْعُذْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ».[**] (المناقب لابن شهر آشوب، ج2، ص259)
وهذه الرواية ونظائرها تُبيّن أن المسلم يجب أن يؤدي تكليفه، ولا ينتظر بالضرورة أن يحقق النتيجة المطلوبة.
الوجه الثالث: تُبشّر بعض الروايات في القيامات السابقة لقيام القائم (عجل الله فرجه) بأنها تمهّد لحكومة الإمام المهدي (عليه السلام). ولا شك أن التمهيد يستلزم نجاح تلك القيامات نسبياً. إضافة إلى أن إيجاد الاستعداد والتهيؤ هو أكبر ثمرة لها. ومن أبرز هذه القيامات هو خروج اليماني الذي ورد في بعض الروايات أن رايته راية هدى وليست في الرايات راية أهدى من رايته.
الوجه الرابع: لو كانت هذه الروايات في صدد النهي عن القيام ومكافحة الظلم والفساد، لتعارضت مع آيات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك مع سيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
ثالثاً: الصمت والبقاء في البيوت
ترد روايات تحض الناس على الصمت والسكون، وتمنعهم من المشاركة في أي قيام أو مكافحة قبل تحقق علامات الظهور. فمثلاً، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لسَدير: «يَا سَدِيرُ، الْزَمْ بَيْتَكَ وَكُنْ حِلْساً مِنْ أَحْلَاسِهِ، وَاسْكُنْ مَا سَكَنَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّ السُّفْيَانِيَّ قَدْ خَرَجَ فَارْحَلْ إِلَيْنَا وَلَوْ عَلَى رِجْلِكَ». (الكافي، ج8، ص264)
ويرى البعض أن مقتضى هذه الرواية لا يختص بسدير، بل يجب على الجميع السكوت حتى خروج السفياني والامتناع عن القيام!
وفي الرد على هذا الرأي، يجب القول: إن تعميم الحكم على جميع الأشخاص في كل زمان يتوقف على علمنا بأن الإمام لم يكن يقصد شخصاً أو ظرفاً خاصاً. لذلك، حتى لو صح سند بعض هذه الأحاديث، فإن أياً منها لا يمكنه أن يطعن في مشروعية القيام والحكومة في عصر الغيبة. بل إن هذه الروايات تحكم بالبطلان على القيامات التي تفتقر إلى الشروط اللازمة، أو التي تقوم لأهداف فاسدة وأهواء شخصية.
فإذا قامت حركة بالشروط الشرعية، وتحت إشراف الحاكم العادل (الفقيه)، وكانت أهدافها قائمة على أساس الشريعة، فإنها ستمهد لقيام الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، ولن تكون منهياً عنها، بل في بعض الحالات، سيكون السعي لإقامتها واجباً.
وللحديث بقية ستأتي في الأجزاء القادمة إن شاء الله.
والجدير بالذكر أن هذا الجزء مُقتبس من كتاب "درسنامه مهدویت" (بحوث منهجية في المهدوية) للمؤلف خدامراد سليمانيان مع بعض التعديلات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] المراد بـ "الرواية الأولى" في كلام الإمام الخميني (قدس سره) هي الرواية المشهورة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ». وأما ما تُستفاد ضمناً من كلامه بوصفها رواية ثانية، فهي رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) استشهد بها أحد الكتّاب في معرض ردّه على أي حكومة - ولو كانت إسلامية - في زمن الغيبة، وأورد سماحته مضمونها في كتابه بهذه العبارة: «سَأَلْتُهُ عَنْ عَمَلِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: الدُّخُولُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَالْعَوْنُ لَهُمْ وَالسَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ عَدِيلُ الْكُفْرِ» (وسائل الشيعة، ج12، ص138). وقد تصدى لنقد فهم الكاتب واستدلاله. فلا ينبغي أن يُتوهم أن هذه الرواية هي الرواية المروية عن الإمام الباقر (عليه السلام) في أوائل هذا الجزء بمضمون مشابه لـ "كلُّ رایة...".
[**] في هذه الرواية، يخبر الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن المستقبل، ويؤكد أن معاوية لن يُقتل في هذه المعركة، بل سيملك على الناس. فاستغرب أصحابه وسألوه: إذا كان الأمر كذلك، فما فائدة القتال الآن؟ فأجاب (عليه السلام) بأن وظيفته ليست ضمان نتيجة معينة، بل أداء التكليف الإلهي بالقتال على الحق، بغض النظر عن النتائج المستقبلية.
لمراجعة المبحث باللغة الفارسية يرجى الضغظ هنا.
المحرر: أ. د
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك